الشيخ محمد رضا مهدوي كني

54

البداية في الأخلاق العملية

الآخرين وها هي الصفات والملكات متبلورة في أحاسيسه وعواطفه وحبّه وبغضه وأعماله « 1 » . وأشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ « 2 » . ويعتقد البعض انّ معرفة المحاسن وتمييزها عن المساوئ ، هو العامل الوحيد الذي يقف خلف نمو الانسان ورقيّه وتساميه ، متصورين بالمقابل انّ الجهل هو العامل الفريد لسقوطه وتراجعه إلى الوراء . غير انّ هذا الاعتقاد باطل ولا شك لأنّ المعرفة ومهما كانت مفيدة وضرورية ، لكنها ليست كافية ، إذ لا يتحقق الدافع بدون إرادة . فما أكثر الأخصائيين الذين كتبوا في أضرار المشروبات الكحولية والمخدرات وهم معتادون عليها ! والعلم والمعرفة يجب ان يصلا إلى مرحلة عقد القلب الذي يتبلور فيه الحب والبغض اي حب الجمال والكمال والاجتهاد فيه والابتعاد عن القبح والقبيح والتريض في التشبّه بخالق الجمال والكمال والاشمئزاز من بواعث الشرّ والضلال ، لهذا ليس جزافا لو قيل « انّ الحياة عقيدة وجهاد » . والحياة أساسا لا معنى لها بدون عقيدة ، والعقيدة لا معنى لها بدون حب . فمن لم

--> ( 1 ) الاسفار ، ج 9 ، باب التناسخ . يعتقد صدر المتألهين انّ الانسان يتميز عن سائر الحيوانات بناطقيته ( قوة التفكر والتعقل ) ، ولهذا فالناس جميعا نوع واحد ويتميز بعضهم عن بعض بالفصول الناشئة من صفاتهم وملكاتهم الانسانية . ويعتقد أيضا انّ هذه الصفات والملكات جوهرية في مرحلة التكامل في كل فرد وليست عارضة . اذن فالتفاوت الحقيقي بين الافراد ليس باللون والشكل والكم والكيف ، وانما بالصفات والملكات التي تؤلف حقيقته . وهذه الحقيقة أو الشاكلة تمثل الصورة البرزخية للانسان والتي يظهر بها في عالم الآخرة : يظهر البعض بصورة انسان والبعض الآخر بصورة حيوان كالقرد والخنزير والوحوش والمجترات . ومن الممكن أن تكون للانسان الواحد صور مختلفة خلال مختلف مراحل حياته ، فيظهر بها جميعا في يوم القيامة . ومن هنا نفهم ان صدر المتألهين يؤمن بأنّ للانسان أنواعا مختلفة ، اي قد يكون للانسان نوع خاص في كل مرحلة من مراحل وجوده ، ويرى ابتدائية وسطحية الاعتقاد بوجود نوع واحد للانسان ، وانه رأي قيل من خلال نظرة عامة وبالمقايسة مع سائر الحيوانات ، وإلّا فحقيقة الامر غير هذه . ( 2 ) الاسراء / 84 .